أحمد بن محمد القسطلاني
3
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
لمعانيه ، موضحًا مشكله فاتحًا مقفله مقيدًا مهمله ، وافيًا بتغليق تعليقه ، كافيًا في إرشاد الساري لطريق تحقيقه ، محررًا لرواياته معربًا عن غرائبه وخفياته ، فأجدني أحجم عن سلوك هذا المسرى ، وأبصرنى أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى ، إذ أنا بمعزل عن هذا المنزل ، لا سيما وقد قيل إن أحدًا لم يستصبح سراجه ولا استوضح منهاجه ولا اقتعد صهوته ولا افترع ذروته ، ولا تبوّأ خلاله ولا تفيأ ظلاله ، فهو درّة لم تثقب ومهرة لم تركب ، ولله درّ القائل : أعيى فحول العلم حل رموز ما . . . أبداه في الأبواب من أسرار فازوا من الأوراق منه بما جنوا . . . منها ولم يصلوا إلى الأثمار ما زال بكرًا لم يفض ختامه . . . وعراه ما حلّت عن الأزرار حجبت معانيه التي أوراقها . . . ضربت على الأبواب كالأستار من كل باب حين يفتح بعضه . . . ينهار منه العلم كالأنهار لا غرو أن أمسى البخاري للورى . . . مثل البحار لمنشأ الأمطار خضعت له الأقران فيه إذ بدا . . . خرّوا على الأذقان والأكوار ولم أزل على ذلك مدّة من الزمان ، حتى مضى عصر الشباب وبان ، فانبعث الباعث إلى ذلك راغبًا ، وقام خطيبًا لبنات أبكار الأفكار خاطبًا ، فشمرت ذيل العزم عن ساق الحزم ، وأتيت بيوت التصنيف من أبوابها ، وقمت في جامع جوامع التأليف بين أئمته بمحرابها ، وأطلقت لسان القلم في ساحات الحكم بعبارة صريحة واضحة ، وإشارة قريبة لائحة ، لخصتها من كلام الكبراء الذين رقت في معارج علوم هذا الشأن أفكارهم ، وإشارات الألباء الذين أنفقوا على اقتناص شوارده أعمارهم ، وبذلت الجهد في تفهم أقاويل الفهماء المثار إليهم بالبنان ، وممارسة الدواوين المؤلفة في هذا الشأن ، ومراجعة الشيوخ الذين حازوا قصب السبق في مضماره ، ومباحثة الحذاق الذين غاصوا على جواهر الفرائد في بحاره ، ولم أتحاش عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان ، ولا في ضبط الواضح عند علماء هذا الشأن ، قصدًا لنفع الخاص والعام ، راجيًا ثواب ذي الطول والإنعام ، فدونك شرحًا قد أشرقت عليه من شرفات هذا الجامع أضواء نوره اللامع ، وصدع خطيبه على منبره السامي بالحجج القواطع ، القلوب والمسامع ، أضاءت بهجته فاختفت منه كواكب الدراري ، وكيف لا وقد فاض عليه النور من فتح الباري . على أنني أقول كما قال الحافظ أبو بكر البرقاني : وما لي فيه سوى أنني . . . أراه هوى وافق المقصدا وأرجو الثواب بكتب الصلاة . . . على السيد المصطفى أحمدا وبالجملة فإنما أنا من لوامع أنوارهم مقتبس ، ومن فواضل فضائلهم ملتمس ، وخدمت به الأبواب النبوية والحضرة المصطفوية ، راجيًا أن يتوّجني بتاج القبول والإقبال ، ويجيزني بجائزة الرضا في الحال والمآل . وسميته ( إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ) . والله أسال التوفيق والإرشاد إلى سلوك طرق السداد ، وأن يعينني على التكميل ، فهو حسبي ونعم الوكيل . وهذه مقدمة ، مشتملة على وسائل المقاصد يهتدي بها إلى الإرشاد السالك والقاصد ، جامعة لفصول ، هي لفروع قواعد هذا الشرح أصول . الفصل الأوّل في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث أقول مستمدًا من الله الإعانة على التوفيق للإيضاح والإبانة : روينا عن ابن مسعود